السؤال

ماذا يعني أن الإنسان الروحي «يميز كل الأمور» (1 كورنثوس 2: 15)؟

الجواب
يقول بولس: «الإنسان الروحي يميز كل شيء، وهو نفسه لا يُقاس عليه أحد» (1 كورنثوس 2: 15). في وقت سابق من الفصل، يوضّح بولس الفرق بين حكمة العالم وحكمة الله، مبينًا أن الحكمة الحقيقية تأتي من الروح: «لأننا لم نستلم روح العالم، بل الروح الذي من الله، لكي نعرف الأشياء التي وهبها الله لنا بحرية» (1 كورنثوس 2: 12). فالإنسان الروحي مجهّز بالحكمة الإلهية، مما يمكنه من تمييز كل الأمور بدقة، ورؤية ما وراء الظواهر وفهم طبيعة الواقع الحقيقية.

عندما يقول بولس «الإنسان الروحي يميز كل الأمور»، لا يقصد بذلك أن الإنسان الروحي متحامل أو ناقد بالطريقة الدنيوية. بل يشير إلى القدرة على تمييز الحقائق الروحية، والفرز بين ما هو من الله وما ليس منه. ويذكر العبرانيين 5: 14 المؤمنين الناضجين الذين «تدرّبت حواسهم للتمييز بين الخير والشر« .فالإنسان الروحي يمتلك النضج والبصيرة الروحية لتقييم المواقف والتعليمات والسلوكيات وفقًا لمعايير كلمة الله.

ويشير قوله أن الإنسان الروحي «لا يُقاس عليه أحد» إلى أن آراء الآخرين أو أحكامهم لا تُؤثر فيه. فهو يميّز الأمور بقيادة الروح، والقبول البشري أو الإدانة البشرية لا يهمّه.

وترافق هذه القدرة مسؤولية: فالإنسان الروحي، أثناء تمييزه لكل الأمور، يعيش وفق الحكمة والبصيرة التي يمنحها الروح. وأحكامه تتماشى مع إرادة الله. وصلاة بولس للمؤمنين هي: أن «يزداد حبهم مع معرفة وكل تمييز، ليقدروا ما هو أفضل، ويكونوا بلا لوم ليوم المسيح« )فيلبي 1: 9–10). فالتمييز الروحي ليس فقط معرفة، بل أسلوب حياة يعكس قداسة الله وبرّه.

في السياق الأوسع للفصول 2–3 من 1 كورنثوس، يقارن بولس بين الإنسان الروحي والإنسان الطبيعي. فهناك أربعة أنواع: الإنسان الطبيعي (1 كورنثوس 2: 14)، الإنسان الروحي (1 كورنثوس 2: 15)، الأطفال في المسيح (1 كورنثوس 3: 1)، والإنسان الجسدي (1 كورنثوس 3: 3).

الإنسان الطبيعي لا يقبل أمور الله لأنه يعتبرها حماقة (1 كورنثوس 2: 14). يمكن أن يفهم الكلمات بشكل واقعي، لكنه لا يستطيع الحكم عليها بدقة لأنها أحكام روحية.

أما الإنسان الروحي فيميز كل الأمور (1 كورنثوس 2: 15)، أي أنه قادر على التمييز الصحيح لأمور الله لأنها تُدرك روحانيًا. العنصر الذي ينقص الإنسان الطبيعي ويملكه الروحي هو عقل المسيح (1 كورنثوس 2: 16). المؤمن الناضج في المسيح هو الإنسان الروحي، المولود من جديد والمتمتّع بطريقة تفكير جديدة. الإنسان الروحي يميز كل الأمور لأنه يمتلك الآن عقل المسيح، بينما يرفض الإنسان الطبيعي التفكير المسيحي ويعتبر أمور الله حماقة.

الأطفال في المسيح (1 كورنثوس 3: 1) هم الذين وُلِدوا من جديد حديثًا. لقد عرفوا المسيح للتو، ويبدؤون للتو في تعلم أمور الله. لذلك، قد يظهرون أحيانًا مثل الإنسان الجسدي، غير أنهم لم يستخدموا بعد عقل المسيح في تفكيرهم. الطفل المولود من جديد يمتلك روحًا جديدة، لكنه لم يتعلم بعد الحكم على كل الأمور أو استخدام التفكير المسيحي الذي أصبح له.

أما الإنسان الجسدي (1 كورنثوس 3:3)، فهو يتصرف غالبًا كطفل، لكنه بلا العذر الطبيعي للطفل. يُتوقع من الأطفال التصرف كأطفال، فهذا طبيعي. أما الإنسان الجسدي، أو الجسدي، فلم ينم كما ينبغي. كان يجب أن يتجاوز مرحلة الطفولة وينضج، لكن نموه توقف أو تأخر.

وبولس يوبّخ أهل كورنثوس لأنهم كانوا يفكرون ويتصرفون مثل الناس الجسديين (1 كورنثوس 3:3) بينما كان ينبغي أن يفكروا مثل الإنسان الروحي الذي يميز كل الأمور. هذا النضج الروحي كان ضروريًا، وعدم وجوده ظهر في تفكيرهم وتصرفاتهم. لقد تجاوزوا ما كُتب في الكتاب المقدس، وأصبحوا متكبرين ويحكمون خطأً (1 كورنثوس 4: 6)، حتى أنهم وافقوا على الفساد الأخلاقي بسبب سوء تقديرهم (1 كورنثوس 5: 1–2).

الإنسان الروحي يميز كل الأمور، لكن الإنسان الطبيعي لا يفهمه. من ليس لديه الروح لا يستطيع تقدير دوافع الإنسان الروحي أو رؤيته للعالم أو شخصيته. الإنسان الروحي يمتلك عقل المسيح، وهذا سرّ لأولئك الذين لا يعرفون المسيح.

عندما نؤمن بيسوع، نُولد من جديد ونستطيع الآن التفكير كما صمّم الله لنا أن نفكر. يجب أن نتجاوز ضعفات الطفولة الروحية ونتجه نحو النضج. يجب أن نفكر ونتصرف كالناس الروحيين لأن هذا ما نحن عليه. كما قال بولس: يجب أن نسلك بطريقة تليق بالدعوة التي دعينا إليها (أفسس 4: 1). لا ينبغي أن نسلك بعد كأشخاص جسديين، مركزين على رغبات الجسد، بل علينا أن نسلك بالروح وننمو في القدرة على الحكم على كل الأمور وفق حق الله.