السؤال

ما هي دائرة الأرض (إشعياء 40: 22)؟

الجواب
إن الإشارة إلى «دائرة الأرض» في إشعياء 40: 22 كانت مصدرًا لكثير من التكهنات. يرى البعض أن هذه العبارة دليل على أن الله أعلن لإسرائيل القديمة شيئًا عن الشكل الفيزيائي للكون قبل وقت طويل من اكتشاف أن الأرض كروية. وفيما بعد، ومع ظهور الاكتشافات العلمية، بدا أن الكتاب المقدس دقيق بصورة مذهلة، إذ سجّل حقائق لم يكن يمكن أن يعرفها إلا الله. ووفقًا لهذا الرأي، يُثبت الكتاب المقدس أن له أصلًا إلهيًا من خلال كشف «أسرار علمية» قبل أن تُعرف عمومًا.

يتحدث الكتاب المقدس عن شروق الشمس وغروبها (كما نفعل نحن أيضًا)، لكنه مجرد لغة ظاهرية وليست مقصودة لنقل دقة علمية (انظر مزمور 113: 3). كما يتحدث الكتاب المقدس عن «أربع زوايا الأرض»، ومع ذلك لا يظن أحد أن الكتاب المقدس يعلّم أن الأرض مربعة (انظر إشعياء 11: 12). ويذكر أمثال 30: 4 «أطراف الأرض»، وهو تعبير ما زلنا نستخدمه اليوم للإشارة إلى أقصى الحدود البعيدة. تكمن مشكلة منهج «الأسرار العلمية» في أنه يُدخل الدقة العلمية في بعض المقاطع التي تبدو متوافقة مع مفاهيمنا العلمية الحديثة، بينما يُنسب إلى المقاطع الأخرى لغة ظاهرية أو مجازية عندما لا تتوافق مع تلك المفاهيم. ولكي يكون التفسير متسقًا، يبدو أنه يجب تفسير جميع هذه المقاطع إما حرفيًا أو مجازيًا. وإذا فُسّرت جميعها حرفيًا، فسيكون هناك أخطاء علمية أكثر من الدقة أو «الأسرار العلمية». وإذا فُسّرت جميعها مجازيًا أو ظاهريًا، فستظل كل المقاطع منطقية في سياقها الأصلي. وتُعد إشعياء 40: 22، بإشارتها إلى «دائرة الأرض»، مجرد مثال واحد على ذلك.

أول نقطة يجب فهمها بشأن «الدائرة» هي أن الكلمة (الجذر العبري خوج) لا تعني «كرة»، بل تشير إلى دائرة أو أحيانًا قبة. فالدائرة مسطحة مثل القرص أو الطبق. وغالبًا ما يفكر الذين يتبنون منهج «الأسرار العلمية» في «كرة» عندما يسمعون كلمة «دائرة». وفي العهد القديم، تُستخدم الكلمة مرة واحدة كفعل في أيوب 26: 10: «رسم حدًا على وجه المياه عند تخم النور مع الظلمة». وإذا نظر الإنسان إلى الأرض من الفضاء، يوجد بالفعل حد دائري بين النور والظلمة. ومع ذلك، فإن ترجمة أخرى تعبّر بصورة أدق عن المعنى الأصلي وتتجنب استخدام كلمة «دائرة» تمامًا: «رسم الأفق على وجه المياه حدًا بين النور والظلمة». فعندما ينظر الإنسان إلى البحر، يبدو الأفق دائريًا.

تُستخدم الكلمة العبرية نفسها ثلاث مرات في الكتاب المقدس كاسم. ففي أيوب 22: 14، يوصف الله بأنه يسير في «فلك السماء». وتترجم معظم الترجمات الحديثة هذا التعبير إلى «قبة السماء». وإذا أُخذت هذه الآية حرفيًا، فستكون غير دقيقة علميًا، لأنه لا توجد قبة فوق الأرض. فالكون يمتد مليارات الأميال في جميع الاتجاهات، لكن عند النظر إلى السماء في ليلة مرصعة بالنجوم، نرى السماء كأنها قبة دائرية فوقنا بحدود واضحة. وفي أمثال 8: 27 تقول «الحكمة»: «لما ثبت السماوات كنت هناك، لما رسم دائرة على وجه الغمر». وتنقل ترجمة أخرى المعنى بقولها: «كنت هناك عندما وضع السماوات في مكانها، عندما حدّد الأفق على وجه الغمر». فلا توجد «دائرة» مرسومة على البحر، لكن يوجد أفق يبدو دائريًا عند النظر عبر البحر.

يقول إشعياء 40: 22: «الجالس على كرة الأرض وسكانها كالجندب، الذي ينشر السماوات كسرادق ويبسطها كخيمة للسكن». وحتى إذا أُخذ تعبير «دائرة الأرض» حرفيًا في هذه الآية، فإنه لا يقول إن الأرض كرة. في الواقع، لا يقول حتى إن الأرض دائرة. يبدو أن «دائرة الأرض» تشير إلى السماوات التي تبدو كقبة دائرية فوق الرأس. ويشير التوازي في الشعر العبري إلى أن «دائرة الأرض» هي نفسها «السرادق» الممتد. فالسماوات تُصوَّر كخيمة تسكن فيها جموع الأرض.

في إشعياء 44: 13 تُترجم صيغة مشتقة من الكلمة في بعض الترجمات إلى «بركار»: «النجار يمد خيطًا، يخطه بقلم، يصنعه بالفارة ويخطه بالبركار، فيصنعه كشبه رجل كجمال الإنسان ليسكن في بيت». وهنا يُستخدم البركار كأداة لرسم دائرة، وما زالت هذه الأدوات مستخدمة اليوم.

كانت كلمة «دائرة» طريقة مناسبة لوصف الأفق والسماوات فوق الرأس. فالأفق يمتد في جميع الاتجاهات، والسماء فوق الرأس تبدو وكأنها تلتقي به، مكوّنة قبة دائرية. وهذه مجرد لغة ظاهرية. فالكتاب المقدس لا يقدّم أدلة علمية سرية لإثبات أصله الإلهي. إن إشعياء 40: 22 جزء من مقطع يعلن حقيقة أهم بكثير:

«ألم تعلموا؟ ألم تسمعوا؟ ألم تُخبروا من البداءة؟ ألم تفهموا من تأسيس الأرض؟ الجالس على كرة الأرض وسكانها كالجندب، الذي ينشر السماوات كسرادق ويبسطها كخيمة للسكن. الذي يجعل العظماء لا شيء ويحكم على قضاة الأرض كباطل. لم يغرسوا بعد، لم يزرعوا بعد، لم يضرب في الأرض أصل ساقهم، حتى نفخ عليهم فيبسوا، وتحملهم الزوبعة كالقش» (إشعياء 40: 21–24).

إن المغزى من مقطع «دائرة الأرض» هو أن الله فوق جميع الشؤون الصغيرة للبشر. فهو لا ينزعج منها، ويمكنه أن ينهيها في أي وقت. كما يمكنه أيضًا أن يحمي شعبه ويقويهم:

«أما عرفت أم لم تسمع؟ إله الدهر الرب خالق أطراف الأرض لا يكل ولا يعيا. ليس عن فهمه فحص. يعطي المعيي قدرة ولعديم القوة يكثر شدة. الغلمان يتعبون ويعيون، والفتيان يعثرون عثرًا، وأما منتظرو الرب فيجددون قوة. يرفعون أجنحة كالنسور. يركضون ولا يتعبون. يمشون ولا يعيون» (إشعياء 40: 28–31).

إن الرب جالس فوق دائرة الأرض. وبدلًا من أن تكون هذه الآية مصدرًا لمعرفة علمية خفية أو نقطة جدل بين أصحاب النظريات المختلفة حول عمر الأرض، فهي مقصودة لتكون تعزية لشعب الله وهم يتأملون عظمة الله وقدرته الخالقة، كما يقول إشعياء 40: 1: «عزوا عزوا شعبي يقول إلهكم». إن التعزية تكمن في مضمون إشعياء 40 والأصحاحات التالية له.