السؤال
ماذا يعني أن «الحكمة تبررت من أولادها» (متى 11: 19)؟
الجواب
يسجل متى 11 صورة مميزة ليوحنا المعمدان، كما يقدم تذكيرًا مهمًا بنعمة الله وتفهمه حتى عندما نعاني من الشك. ويختتم هذا المقطع بالعبارة الغريبة: «وَالْحِكْمَةُ تَبَرَّرَتْ مِنْ أَوْلاَدِهَا» (متى 11: 19).
لقد خدم يوحنا بأمانة بوصفه السابق للمسيّا، معلنًا مجيء ملكوت يسوع. لكن بدلًا من أن يتمتع بثمار خدمته ومجد الملكوت المتوقع، كان يوحنا في السجن وعلى وشك الإعدام - ولم يكن الملكوت قد أتى بعد بصورة ظاهرة. ويبدو أن ظروفه أدت إلى تسلل بعض الشكوك إلى نفسه، فأرسل تلاميذه ليسألوا يسوع إن كان هو الآتي المنتظر أم ينبغي انتظار شخص آخر (متى 11: 3).
أجاب يسوع على سؤال يوحنا بصبر ونعمة، مذكّرًا إياه بالمعجزات التي تنبأ الأنبياء أن المسيّا سيصنعها، والتي كان يسوع يحققها بالفعل (متى 11: 5–6). وبعد هذا التأكيد القوي والمليء بالنعمة، واصل يسوع حديثه موضحًا أهمية يوحنا وخدمته. فقد كان يوحنا نبيًا عظيمًا، لكنه كان أكثر من مجرد نبي (متى 11: 7–9)، إذ حقق نبوة ملاخي 3: 1 وخدم بأمانة كسابق للمسيّا، معلنًا مجيء الملكوت. وكان ليوحنا دور مهم في ذلك الملكوت حتى وإن لم يظهر فورًا.
وكانت الاستجابة لرسالة يسوع ويوحنا هائلة: «وَمِنْ أَيَّامِ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ إِلَى الآنَ، مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ يُغْصَبُ، وَالْغَاصِبُونَ يَخْتَطِفُونَهُ» (متى 11: 12). أي أن الناس كانوا يتدفقون بأعداد كبيرة لسماع البشارة، وكان شغفهم بمعرفة الملكوت عظيمًا لدرجة أنه بدا وكأنهم يهاجمون مدينة ويقتحمون أبوابها للدخول إليها. ثم أشار يسوع إلى يوحنا باعتباره تحقيقًا لنبوة ملاخي 4: 6 - فهو «إيليا» الذي يسبق يوم الرب العظيم والمخوف (متى 11: 14). وبعد ذلك وبّخ يسوع ذلك الجيل بسبب معاملتهم المتناقضة لكل من يوحنا وله، وقال إن «الْحِكْمَةَ تَبَرَّرَتْ مِنْ أَوْلاَدِهَا» أو كما تترجم بعض النسخ: «الحكمة يثبت صوابها بأعمالها».
كان ذلك الجيل متناقضًا في أحكامه. فقد تصرفوا كأطفال يريدون التحكم في أطفال آخرين لكنهم لا يستطيعون (متى 11: 16–17). فقد انتقدوا يوحنا لأنه لم يكن يأكل ويشرب مع الناس (متى 11: 18)، وعندما جاء يسوع يأكل و يشرب معهم، انتقدوه أيضًا بسبب ذلك (متى 11: 19). كانوا متكبرين، يظنون أن لديهم الحكمة الكافية للحكم الصحيح، لكنهم أظهروا ظلم أحكامهم. وبهذا الفشل لم يتعرفوا على السابق للمسيّا، وبالتالي لم يقبلوا المسيّا ولا ملكوته.
وعندما قال يسوع إن «الحكمة تبررت من أولادها»، كان يقصد أن صحة الحكمة تُقاس بثمارها ونتائجها. فقد ظن الناس في ذلك الجيل أنهم يمتلكون الحكمة الصحيحة وكانوا واثقين بأنفسهم، لكن يسوع كشف خطأ حكمتهم من خلال النظر إلى «أولاد» تلك الحكمة - أي ماذا أنتجت حكمتهم؟ لقد كانت نتائجها سيئة، لأنهم فشلوا في التعرف على السابق للمسيّا وعلى المسيّا نفسه.
ومن اللافت للنظر أن يسوع وبّخ بشدة أولئك الذين كانوا متكبرين وواثقين في حكمهم الروحي، بينما شجع وأكد الشخص الذي كان يعاني من الشك، وهو يوحنا. لقد ذكّر يسوع يوحنا بأنه الملك، وأن يوحنا هو السابق له، لكنه أوضح أيضًا أنه من المهم ألا يعثر الإنسان بسبب الملك وطرقه (متى 11: 6). وفي المقابل، وبّخ يسوع الذين أطلقوا أحكامًا متعجرفة وخاطئة على يوحنا وعليه.
وهذا يذكرنا بحقيقة مهمة: الله صبور مع أولاده حتى عندما يمرون بلحظات شك، لكن «الله يقاوم المستكبرين وأما المتواضعون فيعطيهم نعمة» (يعقوب 4: 6). لذلك ينبغي ألا نكون متكبرين في أحكامنا، بل أن نبني استنتاجاتنا بتواضع ومن خلال طلب حكمة الله المعلنة في كلمته، تمامًا كما كان يسوع يشجع يوحنا أن يفعل.
English
ماذا يعني أن «الحكمة تبررت من أولادها» (متى 11: 19)؟