السؤال
ماذا يعني سِرْ أَمَامِي وَكُنْ كَامِلاً في تكوين 17: 1؟
الجواب
زار ثلاثة رجال إبراهيم في أحد الأيام؛ واتضح أنهم لم يكونوا ضيوفاً عاديين، بل كانت زيارتهم نقطة تحوّل في حياة إبراهيم وسارة. يقول تكوين 18: 1–2: «وَظَهَرَ لَهُ الرَّبُّ عِنْدَ بَلُّوطَاتِ مَمْرَا وَهُوَ جَالِسٌ فِي بَابِ الْخَيْمَةِ وَقْتَ حَرِّ النَّهَارِ. فَرَفَعَ عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ وَإِذَا ثَلاَثَةُ رِجَالٍ وَاقِفُونَ لَدَيْهِ. فَلَمَّا نَظَرَ رَكَضَ لاسْتِقْبَالِهِمْ مِنْ بَابِ الْخَيْمَةِ وَسَجَدَ إِلَى الأَرْضِ». وقد أظهر إبراهيم ضيافة فورية لهؤلاء الرجال، فدعاهم للاستراحة تحت شجرة، وأعد لهم وليمة كبيرة (الآيات 3–8).
يقول تكوين 17: 1: «وَلَمَّا كَانَ أَبْرَامُ ابْنَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً، ظَهَرَ الرَّبُّ لأَبْرَامَ وَقَالَ لَهُ: أَنَا اللهُ الْقَدِيرُ. سِرْ أَمَامِي وَكُنْ كَامِلاً». هنا يعرّف الله نفسه بأنه «إيل شداي»، ويعطي إبراهيم إرشادات واضحة عن كيفية العيش. ولاحقاً في الحديث نفسه، يغيّر الله اسم أبرام (الآية 5)، ويأمر بالختان علامةً للعهد (الآيات 9–14).
كان أبرام قد تلقّى بالفعل وعوداً من الله، منها وعد نسل لا يُحصى، وأرض كنعان (تكوين 12: 1–3). ومع ذلك، وهو في التاسعة والتسعين من عمره، لم يكن قد رأى تحقيق هذه الوعود بعد. لذلك جاء ظهور الله له في تكوين 17 ليؤكد مجدداً وعوده السابقة. وقد غيّر اسمه إلى إبراهيم، الذي يعني «أباً لجمهور من الأمم». ويأتي الأمر الإلهي المزدوج «سِرْ أَمَامِي وَكُنْ كَامِلاً» في سياق هذا التأكيد؛ فمع أن كل وعد سيتحقق، إلا أن على إبراهيم مسؤولية أن يعيش بأمانة وطاعة.
العبارة العبرية المترجمة «سِرْ أَمَامِي» تشير إلى علاقة مستمرة مع الله. أي أن إبراهيم مدعوّ إلى الاستمرار في السير مع الله في كل تفاصيل حياته. كما أن دعوته ليكون «كاملاً» لا تعني الكمال المطلق الخالي من الخطية، بل تعني الإخلاص الكامل لله. بهذا المعنى، يدعو الله إبراهيم إلى حياة ثابتة من الأمانة والإخلاص. وتترجم بعض الترجمات هذه العبارة على نحوٍ مثل: «اخدمني بأمانة وعِش حياة بلا لوم» أو «عِش في حضرني وكن كاملاً».
تُعد حياة إبراهيم مثالاً واضحاً لمعنى السير أمام الله والكمال. فلم يكن إنساناً بلا عيوب، لكنه عاش حياة طاعة أمينة. وتُشيد رسالة العبرانيين 11: 8–10 بإيمانه، إذ أطاع دعوة الله وخرج من حاران متجهاً إلى كنعان (انظر تكوين 12: 1–4). ولم يكن إيمانه مجرد اقتناع فكري، بل إيماناً عملياً غيّر مسار حياته. وقد برهن على إيمانه بطاعته (انظر تكوين 15: 6 وغلاطية 3: 6).
إن «السير أمام الله» يعني أن يعيش الإنسان بوعي دائم لحضور الله، وأن يسلك بحسب إرادته. ويتكرر هذا المفهوم في مواضع عديدة من الكتاب المقدس. ففي ميخا 6: 8 يقول النبي: «قَدْ أَخْبَرَكَ أَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا هُوَ صَالِحٌ، وَمَاذَا يَطْلُبُهُ مِنْكَ الرَّبُّ، إِلاَّ أَنْ تَصْنَعَ الْحَقَّ وَتُحِبَّ الرَّحْمَةَ، وَتَسْلُكَ مُتَوَاضِعاً مَعَ إِلَهِكَ» (راجع تثنية 10: 12).
وبالمثل، يؤكد العهد الجديد على أهمية هذا السلوك. ففي أفسس 4: 1 يكتب بولس: «أَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَنَا الأَسِيرَ فِي الرَّبِّ: أَنْ تَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ لِلدَّعْوَةِ الَّتِي دُعِيتُمْ بِهَا، بِكُلِّ تَوَاضُعٍ وَوَدَاعَةٍ، بِطُولِ أَنَاةٍ، مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فِي الْمَحَبَّةِ». فالسلوك في المفهوم الكتابي يعني أسلوب حياة مستمر. وأن «نسلك أمام الله» يعني أن نعيش مدركين أن الله حاضر معنا دائماً، وأنه يرى كل ما نفعله.
أما الدعوة لأن يكون إبراهيم «كاملاً» في تكوين 17: 1، فهي تتعلق باستقامة القلب واتساقه أمام الله. ويعبّر مزمور 101: 2 عن هذا التوجّه بقوله: «أَتَعَقَّلُ طَرِيقاً كَامِلاً. مَتَى تَأْتِي إِلَيَّ؟ أَسْلُكُ فِي كَمَالِ قَلْبِي فِي وَسَطِ بَيْتِي». كما دعا يسوع تلاميذه إلى السعي نحو هذا النوع من النضج الروحي: «فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ» (متى 5: 48).
ومثل إبراهيم، نحن أيضاً مدعوون إلى أن نعيش بوعي دائم لحضور الله، وأن نسعى إلى استقامة القلب في علاقتنا معه. ينبغي أن نثق بكلمته ونطيعها، عالمين أن الطاعة الأمينة تُرضيه. وكما يقول بولس في فيلبي 2: 15، يجب أن نكون «بِلاَ لَوْمٍ وَبُسَطَاءَ، أَوْلاَداً لِلهِ بِلاَ عَيْبٍ فِي وَسَطِ جِيلٍ مُعَوَّجٍ وَمُلْتَوٍ، تُضِيئُونَ بَيْنَهُمْ كَأَنْوَارٍ فِي الْعَالَمِ». فلنسعَ أن نسير دائماً مع الله، مُشعّين نور مجده.
English
ماذا يعني سِرْ أَمَامِي وَكُنْ كَامِلاً في تكوين 17: 1؟