السؤال
ما أهمية قول مرقس 4: 12: «لِئَلَّا يَرْجِعُوا فَيُغْفَرَ لَهُمْ»؟
الجواب
في مرقس 4: 1–20 علَّم يسوع جمعًا كثيرًا مستخدمًا مثل الزارع. وبعد ذلك جاء إليه الاثنا عشر على انفراد وسألوه أن يشرح لهم معنى المثل. فبدأ يوضّح سبب حديثه المتكرر بالأمثال، قائلاً: «قَدْ أُعْطِيَ لَكُمْ سِرُّ مَلَكُوتِ اللهِ. وَأَمَّا الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَارِجٍ فَبِالأَمْثَالِ يَكُونُ لَهُمْ الْكُلُّ، لِكَيْ يُبْصِرُوا مُبْصِرِينَ وَلاَ يَنْظُرُوا، وَيَسْمَعُوا سَامِعِينَ وَلاَ يَفْهَمُوا، لِئَلَّا يَرْجِعُوا فَيُغْفَرَ لَهُمْ» (مرقس 4: 11–12).
لقد حيَّر هذا القول - «لِئَلَّا يَرْجِعُوا فَيُغْفَرَ لَهُمْ» - كثيرين من قرّاء الكتاب المقدس. فهل كان يسوع يقول إنه لا يريد لغير المؤمنين أن يتوبوا ويُغفَر لهم؟ وهل يُغلِق الله عمدًا عيون الناس وآذانهم ليمنعهم من الفهم؟ تتّضح الإجابة عند النظر إلى الكلام في سياقه.
أولاً، يخبر يسوع تلاميذه أن أسرار ملكوته قد كُشِفَت لهم هم، لا للجميع. فقد اختار الله التلاميذ لينالوا معرفة خاصة، بينما «الذين هم من خارج» - في إشارة إلى القادة الدينيين العميان الذين اتهموا يسوع بأنه يعمل بقوة الشيطان - لم تُمنَح لهم هذه المعرفة. ثم يقتبس يسوع جزءًا من إشعياء 6: 9–10، حيث يأمر الله النبي أن يعلن لشعب إسرائيل الطريق الذي اختاروه بعنادهم وعصيانهم. ونتيجة لقساوة قلوبهم، فإن مسار التمرّد المستمر لا ينتهي بالمغفرة بل بالدينونة.
استخدم يسوع الأمثال لا لتوضيح الحقائق وكشف أسرار ملكوته فحسب، بل أيضًا كاختبارٍ روحي. فهي تكشف وتُخفي في آنٍ واحد. فالطالبون الحق بصدق، الذين يقبلون كلمة الله بالإيمان، يفهمون الأمثال. أمّا الذين قست قلوبهم وأُغلِقت، فتُخفى عنهم الحقيقة.
لم يكن يسوع ليساير القادة الدينيين الأبرار في أعين أنفسهم، محاولًا إقناعهم بتغيير عنادهم. فبحسب تقييمه، كان ينبغي لهم أن يسمعوا ويفهموا منذ زمن. لقد كانت لديهم المعرفة بنبوّات العهد القديم وبالأسفار المُعلَنة، وكان يجب أن يتعرّفوا على يسوع باعتباره المسيّا الموعود. لكنهم، بدل ذلك، أُعموا بعناد عدم إيمانهم؛ فلم يسمعوا ولم يفهموا. ونتيجة لذلك لم يرجعوا ولم يُغفَر لهم، لأنهم كانوا يرفضون عرض الله للخلاص.
وعلى الجانب الآخر، كانت حقيقة رسالة المسيح تخترق قلوب الذين يطلبون الخلاص بصدق. فالذين يعترفون بحاجتهم الماسّة إلى الله يفهمون رسالته (انظر مرقس 2: 15–17؛ 4: 21–23).
وباقتباسه إشعياء 6: 9–10، لم يفعل يسوع سوى الإقرار بحالة قلوب الناس. وتوضّح صياغة الترجمة الدولية الحديثة المعنى: كانوا «يسمعون ولا يفهمون أبدًا»، و«ينظرون ولا يدركون أبدًا». كانت قلوبهم «غليظة»، وآذانهم «ثقيلة»، وعيونهم «مغمضة». «وإلا لعلهم يُبصرون بعيونهم ويسمعون بآذانهم ويفهمون بقلوبهم ويرجعون فأشفيهم».
جاء يسوع ليخلّص الخطاة الضالين الذين يدركون حاجتهم إلى التوبة والغفران (لوقا 19: 10؛ تيموثاوس الأولى 1: 15). وكل ما يطلبه هو قلبٌ مستعدّ ومنفتح (انظر عبرانيين 3: 7–19). فبعض الناس لم يسمعوا الأمثال إلا على المستوى السطحي، بينما فهم آخرون ذوو قلوب مفتوحة - مثل التلاميذ - الدلالة الروحية لتعاليم المسيح. أما القادة الدينيون الأبرار في ذواتهم، فوجدوا أنفسهم في الجانب الخطأ من الانقسام، معارضين خطة الله ومتجهين نحو الدينونة.
يقول الكتاب المقدس: «إِنْ طَلَبْتَهُ يُوجَدُ لَكَ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ يَرْفُضْكَ إِلَى الأَبَدِ» (أخبار الأيام الأول 28: 9). في هذا السياق، لا يعني الأمر أن الله يرغب في بقاء الناس بلا غفران، بل إن قساوة القلب المستمرة تقود إلى العمى الروحي. فالله في رحمته يريد أن الجميع يخلُصون ويُغفَر لهم (تيموثاوس الأولى 2: 3–4؛ بطرس الثانية 3: 9)، لكن دينونته تبقى لمن يرفضون رسالته باستمرار.
إن قول الرب: «لِئَلَّا يَرْجِعُوا فَيُغْفَرَ لَهُمْ» يحمل أهمية خاصة، لأنه يدعو الناس إلى طلب ملكوته، وفي الوقت نفسه يكشف المقاومة الروحية. فهو تحذير من التراخي والكبرياء، ودعوة إلى الاستجابة بقلبٍ منفتح وتوبة صادقة لرسالة الله.
English
ما أهمية قول مرقس 4: 12: «لِئَلَّا يَرْجِعُوا فَيُغْفَرَ لَهُمْ»؟