السؤال
ماذا يعني يسوع عندما يقول: «سلامًا أترك لكم» (يوحنا 14: 27)؟
الجواب
إن التحيات وعبارات الوداع المعتادة في الثقافات الشرقية غالبًا ما تتضمن كلمة سلام (أفسس 1: 2؛ لوقا 10: 5؛ يوحنا 20: 19؛ 2 تسالونيكي 3: 16). لكن في يوحنا 14: 27، بينما كان يسوع يهيئ التلاميذ لرحيله، لم يكن الوداع الذي منحه لهم مجرد عبارة عادية مثل «اذهبوا بسلام»: «سلامًا أترك لكم. سلامي أعطيكم. ليس كما يعطي العالم أعطيكم أنا. لا تضطرب قلوبكم ولا ترهب» (يوحنا 14: 27).
فبدلًا من أن يكون نوعًا عابرًا وعالميًا من السلام، فإن السلام الروحي الذي يقدمه يسوع لأتباعه هو عطية دائمة. وتترجم «ترجمة الحياة الجديدة» يوحنا 14: 27 بهذا الشكل: «أنا أترك لكم عطية - سلام العقل والقلب. والسلام الذي أعطيه هو عطية لا يستطيع العالم أن يمنحها. لذلك لا تضطربوا ولا تخافوا». لقد كان يسوع يعلم أن الرحلة الأرضية التي تنتظر تلاميذه وجميع المؤمنين في المستقبل لن تكون سهلة. فقد كانت تنتظرهم تجارب وأحزان كثيرة، ولذلك ترك لهم هذا التأكيد: «قد كلمتكم بهذا ليكون لكم فيّ سلام. في العالم سيكون لكم ضيق. ولكن ثقوا: أنا قد غلبت العالم» (يوحنا 16: 33).
إن كلمة «شالوم»، المترجمة إلى «سلام»، ربما تكون أكثر الكلمات العبرية شهرة، وتحمل معاني متعددة في الكتاب المقدس. فـ«النجاح»، و«الازدهار»، و«الكمال»، و«الاكتمال»، و«العافية»، و«الرفاهية» ليست سوى بعض استخداماتها. وفي كتاب «خزانة هولمان للكلمات الرئيسية في الكتاب المقدس» نجد هذا التوضيح: «عندما تُترجم شالوم بأفضل صورة إلى “سلام”، فإن هذا السلام هو أكثر من مجرد غياب الحرب أو النزاع. إنه يصف سلامًا إيجابيًا؛ وقتًا ومكانًا وحالة تتميز بالمحبة، والبر، والهدوء، والاستقامة السياسية والأخلاقية، وأكثر من ذلك بكثير. إنها كلمة مخصصة لأولئك الذين يسلكون مع الله في علاقة إيجابية».
كما أن الكلمة اليونانية التي تعني «سلام» تحمل معاني متعددة أيضًا، بما في ذلك التحية التقليدية وعبارة الوداع. ويمكن استخدامها لوصف نهاية الحرب والصراع، والطمأنينة الداخلية، والهدوء. لكن يسوع جاء ليجلب نوعًا مختلفًا من السلام إلى الأرض. فعند ولادته أعلنت الملائكة: «المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرة» (لوقا 2: 14).
وقد تنبأ النبي إشعياء بمجيء رئيس السلام هذا: «لأنه يولد لنا ولد ونعطى ابنًا، وتكون الرياسة على كتفه، ويدعى اسمه عجيبًا مشيرًا، إلهًا قديرًا، أبًا أبديًا، رئيس السلام» (إشعياء 9: 6).
وعندما جاء المسيّا، جاء معه بسلام ملكوت الله. وهذا السلام السماوي نفسه كان عطية يسوع الوداعية لتلاميذه. لقد مُنح لنا السلام الكامل في عطية الخلاص التي قدمها الله بدم يسوع المسيح من خلال ذبيحته على الصليب. فمن خلال موت المسيح، أُعطينا إمكانية الوصول إلى عرش الله واستُعيدت شركتنا مع أبينا السماوي: «فإذ قد تبررنا بالإيمان لنا سلام مع الله بربنا يسوع المسيح، الذي به أيضًا قد صار لنا الدخول بالإيمان إلى هذه النعمة التي نحن فيها مقيمون، ونفتخر على رجاء مجد الله» (رومية 5: 1–2؛ انظر أيضًا إشعياء 53: 5).
وقد أخبر بولس أهل فيلبي أن يأتوا بأفكارهم القلقة وهموم هذه الحياة إلى الله بالصلاة، «وسلام الله الذي يفوق كل عقل يحفظ قلوبكم وأفكاركم في المسيح يسوع» (فيلبي 4: 7). وبقوة روح الله القدوس الساكن في داخلنا، أصبحت أذهاننا الآن تُقاد بسلام الله (رومية 8: 6).
لقد ترك لنا يسوع سلامه بمعنى آخر أيضًا، وهو أن نصبح صانعي سلام لملكوته (متى 5: 9؛ رومية 12: 18؛ 1 بطرس 3: 10–11) وأن نعيش في انسجام مع إخوتنا وأخواتنا في المسيح: «اتبعوا السلام مع الجميع» (عبرانيين 12: 14؛ انظر أيضًا كولوسي 3: 15).
إن سلام الله يعكس شخصيته الإلهية، وقوته، ومحبته، وصلاحه، وسيادته، وسلطانه، وقدرته. وهو ينبعث من حضوره في حياتنا (إشعياء 26: 12؛ 2 يوحنا 1: 3؛ 2 تسالونيكي 3: 16). فالرب يرسل سلامه إلينا كأنه فرقة من القوات المسلحة أُرسلت للحراسة على قلوبنا. وعلى الرغم من أننا لا نستطيع أن نفهم هذا السلام بالكامل بعقولنا البشرية، فإنه حقيقي ويمكن الحصول عليه في المسيح. وحتى اليوم، يقول لكل من يؤمن بيسوع ويلتزم باتباعه: «سلامي أترك لكم».
English
ماذا يعني يسوع عندما يقول: «سلامًا أترك لكم» (يوحنا 14: 27)؟