السؤال
ماذا قصد يسوع عندما قال إن شخصًا ما “ليس مستحقًا لي” (متى 10: 38)؟
الجواب
بينما كان يسوع يستعد لإرسال الرسل الاثني عشر ليخدموا برسالته، تحدث إليهم عن تكلفة التلمذة وعمق الالتزام المطلوب لاتباعه حقًا: «مَنْ أَحَبَّ أَبًا أَوْ أُمًّا أَكْثَرَ مِنِّي فَلَا يَسْتَحِقُّنِي، وَمَنْ أَحَبَّ ابْنًا أَوِ ابْنَةً أَكْثَرَ مِنِّي فَلَا يَسْتَحِقُّنِي. وَمَنْ لَا يَأْخُذُ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعُنِي فَلَا يَسْتَحِقُّنِي. مَنْ وَجَدَ حَيَاتَهُ يُضِيعُهَا، وَمَنْ أَضَاعَ حَيَاتَهُ مِنْ أَجْلِي يَجِدُهَا» (إنجيل متى 10: 37–39).
في زمن يسوع، لم يكن الصليب مجرد رمز مسيحي كما هو اليوم. بل كان وسيلة إعدام وحشية استخدمها الرومان لمعاقبة المجرمين وإذلالهم علنًا. وكان حمل الصليب لا يشبه ارتداء قميص مسيحي أو زينة ذهبية، بل كان يعني حمل ثقل حكم الموت الشخصي. لقد كان إعلانًا ظاهرًا للخضوع للسلطة. وعندما طلب يسوع من أتباعه أن يحملوا صليبهم ويتبعوه، كان يطلب منهم أن يقبلوا بإرادتهم المشقات، والعار، والاضطهاد، والتضحية التي سترافق كونهم تلاميذه.
وفي جوهر تعليم المسيح يوجد مبدأ إنكار الذات. فحمل الصليب يرمز إلى الاستعداد للتخلي عن الطموحات الشخصية، ووسائل الراحة، وحتى العلاقات إن لزم الأمر، من أجل إعطاء الأولوية لملكوت الله. وكل تابع حقيقي ليسوع يجب أن يتجاوز الإيمان السطحي ويحتضن التزامًا كاملًا يغيّر الحياة بالمسيح. إنكار الذات هذا ليس قبولًا سلبيًا للمعاناة، بل هو قرار فعّال ومستمر بأن يضع الإنسان حياته لأجل المسيح. وهذا يعني أن نُخضع إرادتنا لإرادة الله حتى عندما يكون الأمر صعبًا ويكلفنا كل شيء.
في متى 10: 38 قال يسوع: «وَمَنْ لَا يَأْخُذُ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعُنِي فَلَا يَسْتَحِقُّنِي». والكلمة اليونانية الأصلية المترجمة «يستحق» هي axios، وتعني «مستحق أو جدير بأن يُعامل أو يُعترف به بطريقة معينة». وكان يسوع يوضح المعيار الذي يُعرَف به الإنسان كتلميذ له، مشددًا على عمق التكريس المطلوب. والاستحقاق هنا لا يعني قيمة ذاتية أو تفوقًا أخلاقيًا، بل الاستعداد لتسليم كل شيء له. كما يحمل المعنى جانبًا علاقيًا، لأن كون الإنسان «مستحقًا» ليسوع يعني أن يربط حياته بمثال المسيح ورسالته.
يقول يسوع إن الشخص «المستحق لي» - أي الذي يستحق أن يُعتبر تلميذه - سيحب يسوع أكثر من أي شخص آخر: أكثر من الأب أو الأم أو الابن أو الابنة (انظر متى 10: 34–37؛ وقارن مع ميخا 7: 6). فيجب أن تكون أمانتنا ليسوع فوق كل العلاقات الأخرى في الحياة. وقد لا نُجبر أبدًا على الاختيار بين أحد أفراد العائلة ويسوع، لكن في قلوبنا نحبّه ونبقى أوفياء له فوق الجميع (انظر تثنية 6: 4–5؛ إنجيل متى 22: 37). وفي أيام يسوع - وفي بعض الثقافات وأجزاء العالم حتى اليوم - كان اتباع المسيح قد يؤدي فعلًا إلى نبذ الشخص من عائلته ورفضه من أصدقائه وأحبائه.
والمعيار الآخر للاستحقاق ليسوع هو الاعتراف به وطاعته رغم العار والمعاناة والتضحية. ففي عالم يركّز على الراحة والمكانة والمحافظة على الذات، تبدو فكرة قبول التضحية بإرادة الشخص أمرًا مخالفًا للطبيعة. ومع ذلك، فإن التلمذة في ملكوت الله الذي يحمل مفارقات كثيرة تتطلب إعادة ترتيب القيم؛ إذ تصبح الأهمية الأبدية أهم من الاهتمامات المؤقتة.
إذا أردنا أن نكون مستحقين ليسوع، أي جديرين بأن نُعامَل كتلاميذ له، فعلينا أن نثق بخططه ونسلك في طريقه حتى عندما يتعارض ذلك مع رغباتنا الشخصية. وسنفهم أن التجارب والصعوبات ليست عوائق أمام الإيمان، بل فرصًا للنمو والاقتراب من الله (انظر رسالة يعقوب 1: 2–12). وسنقبل التواضع ونعطي الأولوية للخدمة، عاكسين محبة المسيح المضحية في علاقاتنا وأفعالنا (انظر رسالة فيلبي 2: 5–11). وكدليل على تكريسنا للمسيح، سنثبت في إيماننا حتى في مواجهة الرفض أو الاضطهاد.
يذكّرنا متى 10: 38 بالتكلفة الكبيرة للتلمذة الحقيقية. فعندما نقبل دعوة المسيح لحمل صليبنا، فإننا نقبل أن اتباعه يتضمن التضحية، والمثابرة، والالتزام الثابت الذي لا يتزعزع. وفي النهاية، فإن الاستحقاق ليسوع لا يتعلق بالكمال أو الأداء، بل بقلب مكرّس بالكامل له ولرسالته.
English
ماذا قصد يسوع عندما قال إن شخصًا ما “ليس مستحقًا لي” (متى 10: 38)؟