ما هي بعض أشكال عبادة الأوثان حديثاً؟



 

السؤال: ما هي بعض أشكال عبادة الأوثان حديثاً؟

الجواب:
إن كل الأشكال المتنوعة لعبادة الأوثان حديثاً تشترك في شيء واحد في جوهرها: الذات. لم يعد غالبية الناس ينحنون أمام التماثيل والصور. ولكننا بدلاً من ذلك نتعبد عند مذبح الذات. وهذا النوع من العبادة الحديثة للوثن يأخذ أشكالاً متعددة.

أولاً، نتعبد عند مذبح المادية، التي تغذي إحتياجنا لبناء أنفسنا من خلال إقتناء "أشياء" أكثر. تمتليء بيوتنا بكل أنواع الممتلكات. ونقوم ببناء بيوت أكبر فأكبر بها خزائن ومساحات للتخزين أكثر لكي نضع بها كل الأشياء التي نقوم بشراؤها، والتي لم ندفع ثمن أغلبها بعد. إن أغلب أشياؤنا لها "فترة إنتهاء صلاحية" من ذاتها، مما يجعلها بلا فائدة سريعاً، وهكذا نتركها في أماكن التخزين. ثم نسرع لشراء أحدث الأشياء أو الملابس أو الأدوات وتبدأ نفس العملية من جديد. هذه الرغبة التي لا يمكن إشباعها طلباً للمزيد والأفضل والأحدث ليست سوى شهوة. وتحذرنا الوصية العاشرة ألا نكون ضحايا الشهوة: "لا تَشْتَهِ بَيْتَ قَرِيبِكَ. لا تَشْتَهِ امْرَاةَ قَرِيبِكَ وَلا عَبْدَهُ وَلا امَتَهُ وَلا ثَوْرَهُ وَلا حِمَارَهُ وَلا شَيْئا مِمَّا لِقَرِيبِكَ." الله يعرف أننا لن نكون سعداء أبداً بالإنغماس في رغباتنا المادية. فالمادية هي فخ إبليس لكي يبقى تركيزنا على أنفسنا وليس على الله.

ثانياً، نتعبد عند مذبح كبرياؤنا وذواتنا. وهذا غالباً ما يأخذ شكل الهوس بالمهنة أو الوظيفة. إن ملايين الرجال – وعدد متزايد من النساء أيضاً – يقضون 60-80 ساعة أسبوعياً في العمل. حتى أثناء نهاية الأسبوع والعطلات لا تنطفيء حواسيبنا المحمولة وتزدحم أذهاننا بالأفكار حول كيفية تحسين أعمالنا وجعلها أكثر نجاحاً، وكيف نحصل على الترقية في العمل، وكيف نحصل على زيادة في الراتب، وكيف ننهي الصفقة التالية. وفي نفس الوقت يكون أطفالنا جائعين للإهتمام والمحبة. نحن نخدع أنفسنا بالإعتقاد أننا نفعل هذا لأجلهم، حتى نمنحهم حياة أفضل. ولكن الحقيقة هي أننا نفعل هذا من أجل أنفسنا، لزيادة قيمة ذواتنا بالظهور أكثر نجاحاً في عيون العالم. وهذا غباء. فكل تعبنا وإنجازاتنا ستكون بلا قيمة بعد أن نموت، ولا كذلك كل محبة العالم، لأن هذه الأشياء لا قيمة أبدية لها. كما قال الملك سليمان: "لأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ إِنْسَانٌ تَعَبُهُ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَعْرِفَةِ وَبِالْفَلاَحِ فَيَتْرُكُهُ نَصِيباً لإِنْسَانٍ لَمْ يَتْعَبْ فِيهِ. هَذَا أَيْضاً بَاطِلٌ وَشَرٌّ عَظِيمٌ. لأَنَّهُ مَاذَا لِلإِنْسَانِ مِنْ كُلِّ تَعَبِهِ وَمِنِ اجْتِهَادِ قَلْبِهِ الَّذِي تَعِبَ فِيهِ تَحْتَ الشَّمْسِ؟ لأَنَّ كُلَّ أَيَّامِهِ أَحْزَانٌ وَعَمَلَهُ غَمٌّ. أَيْضاً بِاللَّيْلِ لاَ يَسْتَرِيحُ قَلْبُهُ. هَذَا أَيْضاً بَاطِلٌ هُوَ."

ثالثاً، نحن نؤله البشرية – وبالتالي أنفسنا – من خلال إرجاع كل شيء إلى الطبيعة وقوة العلم. وهذا يوهمنا بأننا نحن سادة عالمنا، ويضخم قيمة ذواتنا حتى نكاد نعتبر أنفسنا آلهة. نحن نرفض كلمة الله ووصفه لكيفية خلقه السماء والأرض، ونقبل هراء نظريات التطور. نحن نتقبل تأليه البيئة ونخدع أنفسنا بالتفكير أننا يمكن أن نحفظ الأرض إلى ما لا نهاية في حين أعلن الله أن الأرض لها عمر معين وستبقى فقط حتى نهاية الزمان. وفي ذلك الوقت، سيدمر الله كل ما صنعه ويخلق سماء جديدة وأرض جديدة. "وَلَكِنْ سَيَأْتِي كَلِصٍّ فِي اللَّيْلِ، يَوْمُ الرَّبِّ، الَّذِي فِيهِ تَزُولُ السَّمَاوَاتُ بِضَجِيجٍ، وَتَنْحَلُّ الْعَنَاصِرُ مُحْتَرِقَةً، وَتَحْتَرِقُ الأَرْضُ وَالْمَصْنُوعَاتُ الَّتِي فِيهَا. فَبِمَا أَنَّ هَذِهِ كُلَّهَا تَنْحَلُّ، أَيَّ أُنَاسٍ يَجِبُ أَنْ تَكُونُوا أَنْتُمْ فِي سِيرَةٍ مُقَدَّسَةٍ وَتَقْوَى؟ مُنْتَظِرِينَ وَطَالِبِينَ سُرْعَةَ مَجِيءِ يَوْمِ الرَّبِّ، الَّذِي بِهِ تَنْحَلُّ السَّمَاوَاتُ مُلْتَهِبَةً، وَالْعَنَاصِرُ مُحْتَرِقَةً تَذُوبُ. وَلَكِنَّنَا بِحَسَبِ وَعْدِهِ نَنْتَظِرُ سَمَاوَاتٍ جَدِيدَةً وَأَرْضاً جَدِيدَةً، يَسْكُنُ فِيهَا الْبِرُّ."(بطرس الثانية 3: 10-13) كما يقول هذا المقطع الكتابي بكل وضوح، لا يجب أن يكون تركيزنا على عبادة البيئة ولكن أن نعيش حياة مقدسة ونحن ننتظر بشوق عودة ربنا ومخلصنا. هو وحده من يستحق عبادتنا.

وأخيراً، وربما يكون أكثر الكل تدميراً، نحن نتعبد عند مذبح تعظيم الذات أو تحقيق الذات دون إعتبار للآخرين وإحتياجاتهم ورغباتهم. وهذا يظهر من خلال الإنغماس في الكحوليات والمخدرات والطعام. إن من يعيشون في الدول الغنية يتاح لديهم الحصول على الكحوليات والمخدرات (حتى بين الأطفال) والطعام بلا حدود. وهذا يؤدي إلى التخمة، والسكري ومشاكل صحية أخرى. إن ضبط النفس الذي نحن في أمس الحاجة إليه يتم تجاهله في رغبتنا التي لا تشبع في الطعام والشراب والمخدرات بل وتزداد. نحن نقاوم أي محاولة لكبح شهيتنا، ونصمم أن نجعل أنفسنا آلهة حياتنا. إن أصل هذا الأسلوب في التفكير يأتي من جنة عدن حيث أغوى الشيطان حواء لتأكل من الشجرة بقوله: "تكونون مثل الله" (تكوين 3: 5). وقد أصبحت هذه هي رغبة الإنسان منذ ذلك الوقت – أن يصبح إلهاً. إن عبادة الذات هذه هي أساس كل الوثنية الحديثة.

إن كل تأليه وعبادة للذات يوجد في جوهره ثلاث شهوات نجدها في يوحنا الأولى 2: 16 "لأَنَّ كُلَّ مَا فِي الْعَالَمِ شَهْوَةَ الْجَسَدِ، وَشَهْوَةَ الْعُيُونِ، وَتَعَظُّمَ الْمَعِيشَةِ، لَيْسَ مِنَ الآبِ بَلْ مِنَ الْعَالَمِ." إذا كنا نريد أن نهرب من الوثنية الحديثة، علينا أن نعترف بتفشيها ونرفض كل أشكالها. فهي ليست من الله بل من الشيطان. إن الكذبة القائلة بأن محبة الذات تحقق الإشباع هي نفس الكذبة التي يقولها الشيطان منذ كذب على آدم وحواء. وللأسف، ما زلنا نصدقه. والأسوأ من هذا، إن كنائس كثيرة تعمل على إنتشارها بالتعليم عن إنجيل الصحة والغنى والإزدهار المبني على تأليه قيمة الذات. ولكننا لن نجد السعادة أبداً بالتركيز على أنفسنا. فيجب أن تكون قلوبنا وأذهاننا محورها الله والآخرين. لهذا عندما سئل يسوع عن ما هي أعظم وصية أجاب: "تُحِبُّ الرَّبَّ إِلَهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ." (متى 22: 37). عندما نحب الله والآخرين بكل كياننا، لن يكون هناك متسع في قلوبنا لعبادة آلهة أخرى.



عد إلى الصفحة الرئيسية باللغة العربية



ما هي بعض أشكال عبادة الأوثان حديثاً؟