السؤال
هل هلكت الأسماك والكائنات البحرية أيضًا أثناء الطوفان (تكوين 6-8)؟
الجواب
عندما أعلن الله خطته لتدمير العالم بطوفان، قال أولًا لنوح: «أَمْحُو عَن وَجْهِ الأَرْضِ الإِنْسَانَ الَّذِي خَلَقْتُهُ، الإِنْسَانَ مَعَ بَهَائِمِ وَدَبَّابَاتٍ وَطُيُورِ السَّمَاءِ، لأَنِّي حَزِنْتُ أَنِّي عَمِلْتُهُمْ» (تكوين 6: 7). ولاحقًا، في تكوين 6: 17، بعد أن أمر نوحًا ببناء الفلك، كشف أنه سيجلب طوفانًا على الأرض: «هَا أَنَا آتٍ بِطُوفَانِ الْمَاءِ عَلَى الأَرْضِ لِأُهْلِكَ كُلَّ جَسَدٍ فِيهِ رُوحُ حَيَاةٍ مِنْ تَحْتِ السَّمَاءِ. كُلُّ مَا عَلَى الأَرْضِ يَمُوتُ» .
كان سبب أمر الله لنوح ببناء الفلك هو حماية البشر والثدييات والزواحف والطيور من مياه الطوفان. ومن المثير للاهتمام أن الأسماك (وغيرها من الكائنات المائية) لم تُذكر تحديدًا في حكم الله المتعلق بالطوفان. ويفترض معظم الناس أن الطوفان لم يكن له تأثير ضار على الأسماك. وينبع هذا التفكير من خطين من الاستدلال: 1) أن الكائنات المائية لا تمتلك «نَفَسًا» (مع أنها تتنفس)، و2) أن الأسماك تعيش في الماء، ولذلك تكون في بيئتها الطبيعية أثناء الطوفان. لكن الأدلة الأحفورية تروي قصة مختلفة، إذ تكشف أن الكائنات المائية تأثرت بالفعل بالطوفان (www.case.edu.au/blogs/case-subscription-library/young-earth-creationism-geological-evidence-and-the-age-of-the-earth، تم الاطلاع عليه في 1/8/25). وفي الواقع، فإن معظم الأسماك والكائنات البحرية لم تنجُ من الطوفان.
يشير الدكتور جون دي. موريس من معهد أبحاث الخلق إلى أن «أكثر من 95 بالمئة من جميع الأحافير هي لكائنات بحرية. لقد ماتت وتحوّلت إلى أحافير بأعداد تُقدَّر بالتريليونات. وكثير منها مدفون في مقابر أحفورية ضخمة، متراصّ بإحكام، مختنق بالرواسب، ومدفون قبل أن تتحلل الجثث» ( «Fish in the Flood» ، مجلة Acts & Facts، 2011، 40 (5): 16). ومن الواضح أن كثيرًا من الكائنات المائية نجا، إذ توجد اليوم أعداد هائلة من الكائنات البحرية وكائنات المياه العذبة. فكيف استطاعت تلك التي نجت أن تفعل ذلك؟
يقول الكتاب المقدس إنه «فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ انْفَجَرَتْ كُلُّ يَنَابِيعِ الْغَمْرِ الْعَظِيمِ، وَانْفَتَحَتْ طَاقَاتُ السَّمَاءِ» (تكوين 7: 11). ويصف هذا الحدث، بكلمات قليلة، أعظم كارثة شهدتها الأرض على الإطلاق. فلم يقتصر الأمر على هطول المطر على الأرض مدة 40 يومًا في سيل جارف، بل يعتقد علماء الخلق أن أحداثًا زلزالية هائلة صاحبت ذلك الهطول. وعلى وجه التحديد، يرون أن «ينابيع الأرض العظيمة» التي انفجرت شملت اضطراب خزانات مائية جوفية ضخمة، وتحولات كارثية في الصفائح التكتونية، ونشاطًا بركانيًا واسع النطاق. وكانت هذه الأحداث الجيولوجية عنيفة إلى درجة أنها غيّرت الأرض بطرق أساسية كثيرة.
وغالبًا ما يُطرح سؤال منطقي: إذا كانت المياه المالحة والعذبة موجودة قبل الطوفان، فكيف نجت الحيوانات البحرية وحيوانات المياه العذبة أصلًا من الطوفان؟ إن اختلاط المياه العذبة والمالحة كان سيؤدي على الأرجح إلى بيئة مائية غير ملائمة لمعظم أشكال الحياة المائية. فمياه الطوفان كانت ستحتوي على قدر كبير من الملح بالنسبة لكائنات المياه العذبة، وعلى قدر قليل منه بالنسبة للكائنات البحرية.
أحد التفسيرات هو أن الحياة المائية ربما استطاعت النجاة من اختلاط مياه الأمطار والأنهار والمحيطات إذا كانت المحيطات قبل الطوفان تحتوي على نسبة ضئيلة جدًا من الملوحة أو كانت خالية منها. وما يعارض هذه النظرية هو أحافير الكائنات البحرية - وهي متطابقة تقريبًا مع الكائنات الحالية المعتمدة على المياه المالحة. ويشير السجل الأحفوري إلى أن بحار ما قبل الطوفان كانت مالحة إلى حد ما، رغم أن مستويات الملوحة كانت على الأرجح أقل مما نراه اليوم لأن الأملاح لم تكن قد حصلت على الوقت الكافي للتراكم. وبالمثل، فإن أحافير الكائنات المائية العذبة -المتطابقة تقريبًا مع الكائنات الحالية المعتمدة على المياه العذبة - تشير إلى أن بيئات المياه العذبة كانت موجودة أيضًا في عالم ما قبل الطوفان. وتدمير تلك البيئات يعني تدمير تلك الكائنات.
وثمة احتمال آخر، وربما يكون أكثر ترجيحًا، يتعلق بميل بعض المسطحات المائية إلى عدم الاختلاط. فبحسب قوانين الفيزياء، تميل المياه ذات درجات الحرارة أو الملوحة أو العكارة المختلفة إلى البقاء منفصلة في طبقات. فعلى سبيل المثال، لا تختلط بسهولة كتلتان مائيتان تختلفان في درجة الحرارة. إذ تبقى المياه الأبرد والأكثر كثافة تحت المياه الأدفأ، ويفصل بينهما نطاق انتقالي يُعرف باسم الطبقة الحرارية الفاصلة .(thermocline)
وتحدث ظاهرة مشابهة عندما تلتقي المياه المالحة بالمياه العذبة. وحتى عندما تكون درجات حرارة المياه المالحة والعذبة متساوية، فإن المياه المالحة (لكونها أكثر كثافة بسبب محتواها الملحي) تستقر أسفل المياه العذبة الأقل كثافة، ويفصل بينهما نطاق انتقالي يُعرف باسم الطبقة الملحية الفاصلة .(halocline) ويوضح الدكتور موريس قائلًا: «في مجموعة الأحداث والظروف المعقدة التي شكّلت الطوفان، كانت هناك بالتأكيد جيوب من المياه العذبة في أي وقت معين. . . . ومن غير المرجح أن تحتفظ أي منطقة واحدة بهذه الطبقات لفترة طويلة وسط اضطرابات الطوفان، ولكن على نطاق عالمي، كانت توجد بعض هذه المناطق المنفصلة في أي وقت معين» (المرجع نفسه). وكان من الممكن أن يوفر ذلك بيئات منفصلة صالحة للحياة لكل من كائنات المياه العذبة والكائنات البحرية.
ويمضي الدكتور موريس في الإشارة إلى أننا لا نستطيع معرفة مدى تحمل الكائنات المائية التي عاشت قبل الطوفان للرواسب والملوحة ودرجات الحرارة المختلفة. فقد تكون أكثر قدرة على التكيف مع البيئات المتنوعة من الحيوانات التي نلاحظها اليوم. كما يلاحظ أنه من الممكن أن كميات هائلة من النباتات، بما في ذلك الأشجار والشجيرات وغيرها، قد اقتُلعت من القارات. ويعتقد كثير من أنصار نظرية الخلق أن هذا أدى إلى تكوّن كتل نباتية ضخمة عائمة ومتشابكة. وكانت المياه تحت تلك الكتل أقل اضطرابًا، مما ساعد على منع امتزاج مناطق المياه المالحة بالمياه العذبة.
وهناك احتمال آخر جدير بالاعتبار، وهو أن الكائنات المائية ربما نجت لأن الله حماها بطريقة فائقة للطبيعة. فقد كان الطوفان العظيم حدثًا خارقًا للطبيعة، ومعجزة ذات أبعاد عالمية. والإصرار على التفسيرات الطبيعية فقط لنجاة الحياة المائية يعني تجاهل قدرة الله. ومع ذلك، يمكن القول إن الأرجح هو أن الله سمح للعمليات والأحداث الطبيعية المذكورة أعلاه بأن تحفظ الكائنات التي تعيش في الماء.
في تكوين 7: 21–23، لا تُدرج الحياة البحرية ضمن قائمة المخلوقات التي هلكت في الطوفان: «فَمَاتَ كُلُّ ذِي جَسَدٍ كَانَ يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الطُّيُورِ وَالْبَهَائِمِ وَالْوُحُوشِ وَكُلِّ الدَّبَّابَاتِ الَّتِي كَانَتْ تَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ وَجَمِيعُ النَّاسِ. كُلُّ مَا فِي أَنْفِهِ نَسَمَةُ رُوحِ حَيَاةٍ مِنْ كُلِّ مَا فِي الْيَابِسَةِ مَاتَ. فَمُحِيَ كُلُّ قَائِمٍ كَانَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مِنَ النَّاسِ وَالْبَهَائِمِ وَالدَّبَّابَاتِ وَطُيُورِ السَّمَاءِ، فَانْمَحَتْ مِنَ الأَرْضِ». وهذا لا يعني أن الطوفان لم يؤثر في الحياة المائية. فقد ماتت أعداد هائلة من الكائنات المائية، لكن الله اعتنى بأن ينجو عدد كافٍ منها، بعيدًا عن الفلك، لكي تستمر أنواعها المختلفة.
English
هل هلكت الأسماك والكائنات البحرية أيضًا أثناء الطوفان (تكوين 6-8)؟