settings icon
share icon
السؤال

هل اغتصب داود بثشبع؟

الجواب


قليل من الكلمات تحمل شحنة عاطفية مثل كلمة الاغتصاب. والفعل المرتبط غالبًا بهذا المصطلح يُعد من أبشع الجرائم التي يمكن أن يرتكبها البشر. والطبيعة الخطيرة لهذا الموضوع تعني أن أي استخدام لكلمات مثل «اغتصاب» يجب أن يُدرس بعناية. وتستخدم الثقافة الحديثة بشكل متزايد عبارات مثل «اغتصاب السلطة» عندما يكون هناك ضغط أو إقناع، ولكن دون عنف صريح أو تهديدات. وكجزء من هذه المناقشات، يتساءل البعض عما إذا كان الإصحاح 11 من صموئيل الثاني يلمح إلى أن داود اغتصب بثشبع. إن تبسيط الإجابة سيكون أمرًا خطيرًا. فالإجابة السطحية بـ«نعم» أو «لا» لا تنصف الكتاب المقدس ولا الحقائق ولا المنطق ولا ضحايا الاغتصاب. إن النظرة الدقيقة إلى الرواية الكتابية تدين بوضوح سلوك داود، لكن التفسيرات الأكثر تشددًا ليست مدعومة.

أكثر الأخطاء شيوعًا في تفسير الكتاب المقدس هو الإدخال التفسيري: أي «إدخال» حقائق أو أفكار إلى النص. وهذا عكس التفسير النصي: أي قراءة ما يقوله النص فعلًا. وأحد أشكال الإدخال التفسيري هو افتراض أفعال شريرة عندما لا يتضمنها النص. صحيح أن الكتاب المقدس لا يقدم دائمًا تفاصيل دقيقة جدًا، لكن يجب أن نكون حذرين من افتراض صحة شيء ما ما لم يمنحنا الكتاب المقدس أسبابًا قوية جدًا لذلك. وفي حالة داود وبثشبع، فإن محدودية التفاصيل تؤدي إلى محدودية الاستنتاجات.

تُسجل قضية داود وبثشبع في 2 صموئيل 11: 1–5. كان داود يتمشى على سطح قصره بينما كان قادته العسكريون يخوضون الحرب. ومن هناك رأى امرأة جميلة جدًا تستحم. فأرسل في طلبها وعاشرها جنسيًا، فحملت منه. ثم حاول داود التستر على الأمر، مما جلب عليه عواقب استمرت بقية حياته. وأصبحت بثشبع لاحقًا إحدى زوجات داود، وفي النهاية أم الملك التالي، سليمان.

يمكن «إدخال» العديد من التفسيرات المختلفة إلى هذه الرواية. وبعضها أكثر احتمالًا من غيره. وبعضها لا يتفق مع سياق القصة والأشخاص المعنيين. وقبل استخدام مصطلحات مثل «اغتصاب» لوصف ما حدث، يجب أن يكون لدينا فهم دقيق للحقائق الكتابية المتعلقة بكل من داود وبثشبع. ومن بين التفسيرات المختلفة المطروحة ما يلي:

الادعاء: داود اغتصب بثشبع. باستخدام الفهم الشائع لكلمة اغتصاب بمعنى أن شخصًا يفرض نفسه بعنف على شخص آخر، فإن هذا التفسير غير مدعوم من الكتاب المقدس. فلا يوجد أي إشارة في النص إلى أن اغتصابًا أدى إلى حمل بثشبع. كما أن مقاطع أخرى في العهد القديم تصف الاغتصاب العنيف (تكوين 34: 1–2؛ 2 صموئيل 13: 14) تستخدم مصطلحات مختلفة عن تلك المستخدمة في هذه الرواية. ولا يوجد في الكتاب المقدس ما يدعم فكرة أن داود تغلب على بثشبع بالقوة واعتدى عليها عنوة.

الادعاء: بثشبع أغرت داود. يقترح البعض أن اختيار بثشبع للاستحمام عارية في مكان يمكن لداود أن يراها فيه كان متعمدًا: أي أنها كانت تحاول إغراء الملك داود عمدًا. لكن هذا غير معقول للغاية بحسب سياق هذه الآيات. فتمشيه الليلي على السطح يبدو وكأنه تصرف عفوي، مما يجعل من غير المرجح جدًا أن تكون بثشبع على علم بوجوده. وكانت تستحم في وقت متأخر من الليل، وعلى الأرجح داخل فناء أو حديقة مغلقة في منزلها، ولم يكن بإمكان أحد رؤيتها إلا من مكان مرتفع - ولم تكن تتباهى بنفسها علنًا.

علاوة على ذلك، يبدو أن نص 2 صموئيل يتعمد إسناد جميع الأفعال إلى داود. فبثشبع تستحم، وتطيع استدعاء الملك، ثم تخبره لاحقًا بأنها حامل. أما جميع الأفعال الأخرى فتُنسب صراحة إلى داود. وقد يكون السبب في ذلك أن داود يُنظر إليه باعتباره الطرف المسؤول روحيًا، تمامًا كما يُعتبر آدم الطرف المسؤول في السقوط (تكوين 3: 17–19؛ رومية 5: 12). والأرجح أن الكتاب المقدس يريد أن يوضح بجلاء أن داود، وليس أي شخص آخر، هو من بدأ هذه العلاقة.

الادعاء: كانت العلاقة الجنسية بالتراضي. هناك اقتراح آخر يقول إن العلاقة بين داود وبثشبع كانت متبادلة بالكامل. وهذا يعني أن لقاءهما الأول كان ببساطة - وبشكل خاطئ - علاقة جنسية عابرة بين شخصين بالغين برضاهما. ومن الممكن أن بثشبع نامت مع داود برغبة منها. لكن النص لا يقول إن بثشبع أبدت أي اهتمام بداود. وفي النهاية، من المستحيل الجزم بمدى رغبة بثشبع في إقامة علاقة مع داود. ويبدو أن زواجهما اللاحق كان قريبًا ومخلصًا (2 صموئيل 12: 24؛ 1 ملوك 1: 28–31).

الادعاء: داود «اغتصب بثشبع بالسلطة». تشير هذه النظرية إلى أن بثشبع لم تقل «لا» لداود، لكنها أيضًا لم تقل «نعم». بمعنى آخر، لم تكن راغبة حقًا في النوم معه، لكنه كان الملك. ويشير مؤيدو هذا الرأي إلى أن الملك داود أرسل خدمه لإحضار بثشبع إلى منزله، حيث أقاما علاقة في الليلة نفسها. ولا شك أن هناك اختلالًا هائلًا في ميزان القوة بين داود وبثشبع. وكما في السيناريو السابق، فمن الممكن أن بثشبع شعرت بالضغط، أو حتى بالخوف، وخضعت للعلاقة بدلًا من أن تسعى إليها بإرادتها.

علاوة على ذلك، يبدو أن الصياغة الفريدة للنص تؤكد عمدًا على أفعال داود وتقلل من التركيز على أفعال بثشبع. وعندما واجه ناثان داود بخطيته في النهاية، فإن المثل الذي استخدمه يصور الطرف المذنب - داود - على أنه اتخذ قرارًا افتراسيًا بأخذ شيء لا يخصه (2 صموئيل 12: 1–7). كما أن العواقب الناتجة عن هذا الحدث تبدو وكأنها وقعت بالكامل على داود أيضًا (2 صموئيل 12: 10–14).

الخلاصة: اقرأ من الكتاب المقدس، لا تُدخل إليه أفكارًا. لا يوجد أي شك في أن الكتاب المقدس يدين داود بشدة بسبب هذه الحادثة. ولا يوجد أي معنى يدافع فيه الكتاب المقدس عن أفعاله. كما لا توجد أي إشارة في الكتاب المقدس إلى أن بثشبع هي التي بدأت الخطية أو أنها اعتُبرت شريكة فيها بشكل واضح. وفي الوقت نفسه، لا يوجد في الكتاب المقدس ما يشير إلى أن داود استخدم القوة أو التهديد أو العنف ضد بثشبع.

الاغتصاب موضوع مروع، والمناقشات الحديثة حول الاغتصاب تفرض غالبًا تمييزًا محرجًا. فالثقافة المعاصرة لديها عادة مربكة تتمثل في تطبيق كلمات راسخة على أفكار جديدة من أجل استغلال التأثير العاطفي. فعلى سبيل المثال، استُخدمت كلمات مثل «عبقري» و«إلى الأبد» في سياقات كثيرة حتى كاد معناها الحرفي أن يُنسى. وهذا لا يتم دائمًا بنية سيئة؛ فالهدف عادة هو جذب الانتباه أو التعليق على أخلاقية أو لا أخلاقية الفكرة الجديدة. لكن تحميل الكلمات تعريفات جديدة قد يطمس الفروق التي كانت واضحة سابقًا.

ومن نتائج ذلك إضعاف اللغة. فعندما يتم وصف أفعال أقل خطورة باستمرار باستخدام مصطلح شديد للغاية، تبدأ الكلمة الأصلية في فقدان قوتها. فعلى سبيل المثال، لكلمة «اغتصاب» معنى تقليدي، لكن بعض الناس اليوم يدّعون أن «الاغتصاب» يمكن أن يكون أي علاقة جنسية يشعر الشخص بالندم عليها لاحقًا. إن مثل هذا الاستخدام لكلمة اغتصاب يقلل من تأثير الكلمة. ومع استمرار تمييع المعنى، قد يجد ضحايا الاغتصاب، بحسب تعريفه الأصلي، تعاطفًا أقل مع ادعاءاتهم.

كل هذا يعني أنه يجب أن نكون حذرين للغاية عند قول أشياء مثل «داود اغتصب بثشبع». فاستنادًا إلى الاستخدام التاريخي لكلمة اغتصاب، والذي يعني علاقة جنسية عنيفة أو قسرية أو تتم تحت التهديد، فإن الادعاء بأن «داود اغتصب بثشبع» هو ادعاء غير صحيح تمامًا. ولا يوجد في الكتاب المقدس أي تلميح إلى شيء من هذا القبيل. واستخدام كلمة اغتصاب دون سياق موسع سيؤدي بالتأكيد إلى سوء فهم. والأسوأ من ذلك، أنه قد يساهم في إضعاف خطورة مصطلح الاغتصاب كما يُستخدم في سياقات أخرى.

إن القول إن «داود استغل بثشبع» هو وصف أكثر دقة. فالسلطة الملكية التي كان يمتلكها داود والطبيعة السريعة للقاء يدعمان هذا الرأي بقوة. ومن المرجح أن بثشبع كانت تخضع للتجربة أكثر مما كانت تسعى إليها. وبالنظر إلى وضع حقوق المرأة في عصرها ودور داود كملك، فلا شك أن داود كان في موقع يمكنه من ممارسة ضغط هائل عليها.

وأقل تفسير سلبي يمكن تطبيقه بشكل معقول على بثشبع هو أنها استمتعت باهتمام رجل قوي. لكن هذا لا يفسر إلا بشكل غامض لماذا تبدو الرواية وكأنها تلقي اللوم على داود - وعلى داود وحده - فيما حدث. أما التفسير الأكثر منطقية فهو أنها أطاعت استدعاء الملك وخضعت لرغباته وهي في حالة ضعف.

ولهذه الأسباب، ينبغي تجنب أي استخدام لمصطلح الاغتصاب فيما يتعلق بهذه الحادثة. فالكلمات يمكن أن يتغير معناها مع مرور الوقت، ويبدو أن مفهوم الاغتصاب يمر بمثل هذا التطور. لكن في الوقت الحالي، فإن الكلمة غالبًا ما تستحضر فعلًا محددًا، وهو فعل لا يدعم الكتاب المقدس حدوثه في هذه القصة.

English



عد إلى الصفحة الرئيسية باللغة العربية

هل اغتصب داود بثشبع؟
Facebook icon Twitter icon YouTube icon Pinterest icon Email icon شارك هذه الصفحة:
© Copyright Got Questions Ministries