السؤال
لماذا سأل نثنائيل: «أَمِنَ ٱلنَّاصِرَةِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ صَالِحٌ؟» (يوحنا 1: 46)؟
الجواب
في يوحنا 1: 46، يطرح نثنائيل السؤال: «أَمِنَ ٱلنَّاصِرَةِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ صَالِحٌ؟». وقد يبدو هذا السؤال غريبًا للوهلة الأولى، لكنه يكشف الكثير عن نظرة اليهود إلى مدينة الناصرة ومنطقة الجليل عمومًا.
ابتداءً من يوحنا 1: 35، بدأ يسوع يدعو تلاميذه الأوائل، ومن بينهم نثنائيل. ففي اليوم التالي لمعمودية يسوع، كان مع يوحنا المعمدان وتلاميذه، فأعلن يوحنا قائلاً: «هُوَذَا حَمَلُ ٱللهِ!» (يوحنا 1: 36). وبعد هذا الإعلان، بدأ اثنان من تلاميذ يوحنا يتبعان يسوع. وكان أحدهما أندراوس، أخو سمعان بطرس. ثم ذهب أندراوس ليأتي ببطرس لكي يتبع يسوع أيضًا. وبعد ذلك دخل يسوع إلى منطقة الجليل ودعا فيلبس، الذي بدوره وجد نثنائيل وقال له: «وَجَدْنَا ٱلَّذِي كَتَبَ عَنْهُ مُوسَى فِي ٱلنَّامُوسِ وَٱلْأَنْبِيَاءُ، يَسُوعَ ٱبْنَ يُوسُفَ ٱلَّذِي مِنَ ٱلنَّاصِرَةِ» (يوحنا 1: 45). فجاء رد نثنائيل المتشكك كما ورد في يوحنا 1: 46: «أَمِنَ ٱلنَّاصِرَةِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ صَالِحٌ؟».
كانت الناصرة مدينة تقع على بُعد نحو 55 ميلًا شمال أورشليم. وفي زمن يسوع، كان اليهود ينظرون باحتقار إلى سكان الناصرة، وهي مدينة ضمن منطقة الجليل. ولا يظهر هذا الاحتقار بوضوح أكبر مما يظهر في سؤال نثنائيل: «أَمِنَ ٱلنَّاصِرَةِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ صَالِحٌ؟».
وتُعد النظرة المتدنية إلى الناصرة أمرًا مهمًا لفهم قول متّى إن يسوع «سَيُدْعَى نَاصِرِيًّا» تحقيقًا لما قيل بالأنبياء (متى 2: 23). فلا يوجد في العهد القديم نص صريح يقول إن المسيح سيكون من الناصرة، فما الذي قصده متّى؟ على الأرجح كان يشير إلى النبوات التي تتحدث عن احتقار الناس للمسيح ورفضهم له، مثل مزمور 22: 6–7 وإشعياء 53: 3.
ففي مزمور 22: 6–7 يُوصف المسيح بأنه «مُحْتَقَرُ ٱلشَّعْبِ»، وأن الناس «يَهْزَأُونَ بِهِ وَيُنَغِّصُونَ رُؤُوسَهُمْ». وفي إشعياء 53: 3 يُقال إنه «مُحْتَقَرٌ وَمَخْذُولٌ مِنَ ٱلنَّاسِ». ومن المحتمل أن هذه النبوات هي التي أشار إليها متّى بقوله إن المسيح «سَيُدْعَى نَاصِرِيًّا».
إن سؤال نثنائيل الساخر: «أَمِنَ ٱلنَّاصِرَةِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ صَالِحٌ؟» كان تمهيدًا لما سيتعرض له يسوع لاحقًا من سخرية ورفض من الآخرين أيضًا (راجع يوحنا 7: 42). فقد كان اليهود ينتظرون المسيح باعتباره المُخلِّص الذي سيحرر إسرائيل من الاضطهاد، وكان ينبغي أن يكون موضع أعظم تكريم واحترام. فكيف يأتي من مكان متواضع مثل الناصرة؟
«أَمِنَ ٱلنَّاصِرَةِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ صَالِحٌ؟». كانت الإجابة المفاجئة: نعم. لقد اختار الله أن يعيش ابنه، مخلّص العالم، في الناصرة. «بَلِ ٱخْتَارَ ٱللهُ جُهَّالَ ٱلْعَالَمِ لِيُخْزِيَ ٱلْحُكَمَاءَ، وَٱخْتَارَ ٱللهُ ضُعَفَاءَ ٱلْعَالَمِ لِيُخْزِيَ ٱلْأَقْوِيَاءَ. وَٱخْتَارَ ٱللهُ أَدْنِيَاءَ ٱلْعَالَمِ وَٱلْمُزْدَرَى وَغَيْرَ ٱلْمَوْجُودِ لِيُبْطِلَ ٱلْمَوْجُودَ» (1 كورنثوس 1: 27–28). ونرى هذا المبدأ مرارًا في الكتاب المقدس؛ فقد بدأ يوسف وراعوث وجدعون وداود من أماكن متواضعة ومحتقرة، لكن الله اختارهم واستخدمهم بقوة.
كان يسوع في نظر العالم ضعيفًا ومحتقرًا ومرفوضًا (راجع يوحنا 19: 1–5)، وفوق ذلك كله كان من الناصرة. ويُعد يسوع المثال الأسمى على استخدام الله لما يراه البشر ضعيفًا لكي يُخزي ما يراه البشر حكيمًا وقويًا، وذلك لمجد الله.
بدأ نثنائيل علاقته بيسوع بسؤال يحمل شيئًا من السخرية: «أَمِنَ ٱلنَّاصِرَةِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ صَالِحٌ؟». لكن نبرته تغيّرت سريعًا. فبعد أن تحدث مع يسوع، أعلن قائلاً: «يَا مُعَلِّمُ، أَنْتَ ٱبْنُ ٱللهِ! أَنْتَ مَلِكُ إِسْرَائِيلَ!» (يوحنا 1: 49).
English
لماذا سأل نثنائيل: «أَمِنَ ٱلنَّاصِرَةِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ صَالِحٌ؟» (يوحنا 1: 46)؟